المآلات الإستراتيجية للتطورات الأخيرة في العراق

ISIS Map3

في 10 حزيران الجاري أعلن تنظيم دولة العراق والشام عن تمكنه بالتعاون مع العديد من أبناء العشائر السنية وبعض ضباط الجيش العراقي من السيطرة على مدينة الموصل في العراق وإعلانها مدينة محررة، وكذلك السيطرة على معظم محافظة نينوى. وذلك بعد قتال إستمر أربعة أيام إنتهى بإنسحاب الجيش العراقي التابع لقيادة المالكي، وإستسلام المئات من أبنائه في مشهد مهين، تاركين وراءهم العديد من مخازن الذخيرة والأسلحة الحديثة من ضمنها ست طائرات هليكوبتر من طراز بلاك هوك.

تلك الأسلحة الأمريكية الصنع التي قامت إدارة أوباما بمنعها عن المعارضة المعتدلة في سوريا بحجة الخوف من وصولها إلى المتطرفين عموما وإلى هذا التنظيم بالذات. كما استطاع التنظيم الحصول على ماقيمته حوالي النصف مليار دولار أو أقل قليلا من البنك المركزي في الموصل كي يصبح أغنى تنظيم جهادي في العالم.

وسط حالة من الذهول والإرباك على المستوى الدولي، يميل العديد من السياسيين العراقيون من السُنّة، للإعتقاد بإن ما يحدث ليس إلا مجرد مؤامرة أو "لعبة سياسية" تنطوي على إنهيار مدروس ومخطط له بقرار سياسي من المالكي. حيث يسعى هذا الأخير للهروب إلى الأمام بعد الانتخابات النيابية الأخيرة من خلال الدخول في حرب مباشرة مع المكونات السنية، الأمر الذي سيؤدي إلى إعادة توحيد صفوف المكونات الشيعية العراقية خلفه ويزيد من فرص حصوله على الدعم الأمريكي مجددا تحت راية مكافحة الإرهاب السني الذي يقوده تنظيم الدولة الإسلامية.

إلا أن حجم الإنهيار الحاصل في الجيش العراقي والمساحة الواسعة التي خرجت من نطاق سيطرة حكومة المالكي يوحي بوجود خطر حقيقي على وحدة العراق وعلى المالكي وحكومته أنفسهم، بما يضعف فرضية المؤامرة و"اللعبة السياسية", أو أنه يشيرعلى الأقل إلى سوء تقدير في الحسابات بما أدى إلى إنهيارات وإنسحابات في الجيش العراقي أكبر مما كان متوقعا بكثير.

ولكن بغض النظر عن الخلفيات والأسباب الحقيقية التي أدت إلى التطورات الأخيرة، فإنه سيترتب عليها تحولات إستراتيجية عميقة المدى والتأثير على المنطقة بشكل عام يمكن إيجاز بعضها على المستوى السياسي بما يلي:

بالإضافة إلى ذلك فإن الحشد الطائفي على الجانب الشيعي وإعلان مرجعيتهم العليا (آية الله علي السيستاني) في ١٤ حزيران الجهاد والدعوة للتطوع،  يشيران إلى إمكانية  تتطور حالة الثورة والتمرد في المناطق السنية إلى حالة من الحرب المفتوحة طويلة الأمد، بما يستحضر إلى الأذهان المصير المدمر لنموذج المدن السورية المحررة، حيث إستطاع النظام السوري حصار المدن الداخلية وتجويعها، كما أنه قام بتدمير المدن التي يصعب حصارها عبر الطيران بما أوقف عجلة النمو والحياة فيها وحول الغالبية من أهلها إلى لاجئين في دول الجوار. لايوجد ما يمنع تكرار نفس المشاهد في العراق في حال تطورت الأحداث إلى حرب طائفية واسعة، خصوصا بعد أن قام النظام السوري برفع عتبات العنف المستخدم من الدولة ضد مواطنيها. كذلك فإن الدعم الأمريكي والإيراني لنظام المالكي سيساهم في إطالة الصراع إلى فترات طويلة ومفتوحة, مما يعني غرق أغلب المدن العراقية في دوامة العنف والإضطرابات وتوقف عجلة الحضارة لفترات ستكون طويلة.

إن إحتجاز موظفي القنصلية التركية في الموصل من طرف تنظيم الدولة الإسلامية الذي قام قبل ذلك بإرسال العشرات من الإنتحاريين والسيارات المفخخة للمعابر الحدودية السورية-التركية يبعث اليوم برسائل متعددة المعاني للدولة التركية ويضعها أمام معضلة سياسية جدية، حيث أن التدخل المباشر في الحرب ضد هذا التنظيم قد ينقل القلاقل  إلى داخل أراضيها عبر المفخخات والإنتحاريين مما سيخلق المزيد من القلق والتوتر داخل الدولة التركية ويجرها للدخول في مستنقع لا ترغب الدخول فيه. إذ أنه سيعمل على إستنزاف إنجازاتها ومقدراتها الإقتصادية خلال العشرين السنة الأخيرة، كما أنه سيضعف مسيرة تدّعيم الديمقراطية لصالح الحفاظ على الأمن وتقوية الجيش، مما سيحرف الدولة التركية عن مسارها كقوة إقليمية صاعدة ذات نموذج حضاري متميز.

بينما ستؤدي سياسة النأي بالنفس وعدم التدخل إلى الإنكفاء السياسي وفقدان تركيا للقدرتها على التأثير الفعّال على المدى البعيد، مما يعني خروجها من الملف السوري والعراقي وتركهما لإيران كي تستخدم نفوذها فيهما كأوراق تفاوضية في بازارات تبادل المصالح والمنافع مع الغرب وكذلك مع الحلفاء الروس والصينين على حد سواء.

مما سيعني في المحصلة إزدياد فرص إيران في التحول إلى قطب إقليمي رئيسي، يتم التعامل معه على أنه شريك في مكافحة الإرهاب، وراعي للمصالح الغربية في المنطقة في ظل السياسة الأمريكية الجانحة للسلم ولعدم التدخل العسكري. إعلان الرئيس الإيراني حسين روحاني في ١٤ حزيران خلال مؤتمر صحفي عن إستعداده للتنسيق مع الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب يمكن فهمه في هذا السياق.

طبعا فإن السياسة الإيرانية الطامحة للتوسع والهيمنة تنطوي على إستنزاف كبير للطاقات والموارد الإيرانية، والتي سيتوجب تعويضها من خلال لعبة الأمم عندما يدرك العالم بإن إيران هي الوحيدة صاحبة اليد العليا للسياسة في العراق واللبنان وسوريا، وأن أغلب مواقع النفط والغاز العراقية والسورية معا تقع في دائرة نفوذ ما يسمى بتنظيم دولة العراق والشام الإسلامية، الذي لم ينفذ أي عملية عسكرية ضد إيران، كما أن هناك العديد من المؤشرات التي تؤكد إختراق هذا التنظيم من طرف الإيرانيين.

ربما يرى بعض الباحثين أن من الظواهر التي رافقت ثورات الربيع العربي هي ظاهرة ربيع المنظمات السلفية الجهادية التي وجدت في فراغ السلطة الذي أحدثه الإستعصاء في الحالة السورية فضاءا رحبا للإنتقال من حالة التنظيمات السرية الرخوة إلى مرحلة أكثر تقدما في تجربة بناء هياكل حكم لدولة مفترضة. إلا أن العديد من التطورات في سوريا والعراق ولبنان في السنوات الأخيرة حملت معها أيضا العديد من الفرص الواعدة والأوراق السياسية الرابحة لإيران، التي جعلتها أيضا تعيش ربيعها السياسي الحالم بالإنتقال من طور الدولة الإقليمية الهامة إلى حالة القطب الأقليمي الذي يهيمن على دول المنطقة ويقوم بضبط الإيقاع السياسي فيها. عندما يتحقق ذلك فلن تمانع إيران في إرسال بشار الأسد ونوري المالكي إلى لاهاي في إطار صفقات سياسية أكبر، لإنها ستكون الوحيد الذي سيضع قواعد اللعبة السياسية التي ستأتي بمن يخلفهم.


 تم نشر هذا المقال في ٢٣ حزيران على موقع الجزيرة نت تحت الرابط التالي: إضغط هنا