كيف إنقسم تنظيم القاعدة على نفسه في سوريا

AlQaideh1

في يوم ٢٣ شباط ٢٠١٤ تناقلت الصحف العربية والعالمية نبأ مقتل أبو خالد السوري في الصراع الدائر في سوريا. وكانت الولايات المتحدة قبل ذلك قد وضعته في أعلى قائمة المطلوبين بتهمة الإرهاب والإنتماء للقاعدة,  حيث وضعت جائزة ٥ ملايين دولار لمن يدلي بأي معلومات تؤدي للقبض عليه. لم يقتل أبو خالد السوري من خلال طائرة بلا طيار أمريكية كما جرت العادة وإنما قتل من خلال تفجير إنتحاري كان من ترتيب تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام.

من هو أبو خالد السوري؟ ولماذا أصبح أصدقاء الأمس أعداء اليوم وقاموا بقتله؟

 

 تنظيم القاعدة والحرب في سوريا

يوجد في سوريا اليوم عدة تنظيمات إسلامية تقاتل النظام. بعضها يعد من التنظيمات الراديكالية التي تسعى لفرض نموذجها الإيديلوجي بالقوة من الأعلى بالإعتماد على ما يسموه بنموذج التمكين. أي الوصول إلى السلطة ثم فرض نموذجهم في الحكم القائم على فهمهم للإسلام. لا يشكل أتباع التنظيمات المتطرفة أغلبية عددية في سوريا, ولكنهم يتميزون بالفعالية العالية نتيجة الإندفاع القوي الناتج عن الإيمان الراسخ بصحة ما يعتقدونه, بالإضافة للتمويل الجيد المتدفق من شبكات دعم الجهاد العالمي التي تشكلت خلال الأربعين سنة الماضية  والتي إستطاعت مراكمة العديد من الخبرات.

على رأس هذه التنظيمات يقع تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام الذي أنبثق من رحم منظمة القاعدة التي تمرد عليها ويحاربها اليوم. يتميز هذا التنظيم عن غيره من التنظيمات بفعالية عالية نتيجة ضمه أغلب المقاتلين الأجانب الذين جمعوا خبرات طويلة في حروب العصابات في أفغانستان والعراق والشيشان وغيرها من ساحات الحروب في القرن الماضي. كما أنه تميز عن القاعدة بشدة تطرفه وإستسهاله لقتل المدنيين مستخدما أبسط الحجج وأوهاها, مما دفع أيمن الظواهري زعيم منظمة القاعدة لإتهامهم بالتطرف في تسجيلين صوتيين له عبر اليوتيوب أذيعا في 9 حزيران 2013 و في ٨ نوفمبر  ٢٠١٣وطالب بحلها بعد أن برأ نفسه وتنظيمه من أفعالها.[1]

ينطلق قادة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (إختصارا داعش) من تصور إيديولوجي يقتضي أنهم يقيمون دولة الإسلام في الأرض مستخدمين في ذلك أدوات ومسميات الحكم التي سادت قبل أكثر من ١٠٠٠ عام, وبشكل خاص فيما يتعلق بقانون العقوبات. ولكنهم رغم ذلك يعتمدون في ممارساتهم الفهم الحديث لمعنى الدولة القومية, المنبثق عن نموذج الحداثي للدولة من حيث تدخلها وتحكمها في أغلب المناحي الحياتية للأفراد, مما أدى بالضرورة إلى إنتاج نموذج حكم ديني ديكتاتوري متعسف في كل الأماكن التي إستطاعوا السيطرة عليها.

ولعل من أسوء ما أنتجته مماراسات هذا التنظيم هو تحويل الإختلاف والخلاف في الشأن السياسي إلى إختلاف عقيدي وديني ينتج عنه تكفير الآخر المختلف معه سياسيا وبالتالي إباحة دمه وإستحلال قتله. نتيجة هذا الفهم المنحرف للدين قام هذا التنظيم بقتل العديد من قادة التنظيمات الإسلامية الأخرى القريبة منهم والبعيدة عنهم, بعد أن أعلن كفرهم وخروجهم من الملة نتيجة إختلافه السياسي معهم. أدت هذه السلوكيات إلى نشوب معارك عنيفة بين هذا التنظيم وباقي التشكيلات العسكرية المعارضة في سوريا. بدأت هذه المعارك منذ بداية عام ٢٠١٤ وأدت إلى إنحسار وجود هذا التنظيم قي أغلب المناطق السورية وخروجه منها. أسفرت هذه المعارك عن مقتل أكثر من ٣ آلاف شخص من كلا الطرفين وساهمت في خلق الفرص للنظام السوري لإعادة السيطرة على بعض المناطق التي كان قد أضطر للإنسحاب منها.

الجدير بالذكر أنه تم العثور على وثائق عديدة تشير إلى إختراق إيران والمخابرات الروسية لهذا التنظيم وتحكمهم به بشكل كبير[2], كما أنه تم رصد العديد من المؤشرات التي قد تشير إلى تنسيق ما بينهم وبين النظام السوري, الذي يقوم دائما بقصف القوات التي تحارب هذا التنظيم من الجو, في الوقت التي تمر فوق مقراتهم وأرتالهم دون أن تصيبهم بأي أذىى. كما أن تنظيم داعش قام بتوجيه ثمانية سيارات مفخخة ضد النظام ما بين شهرين أيار وديسمبر 2013, في حين أنه قام بتفجير أكثر من 24 سيارة مفخخة في أول أسبوع قتال مع باقي تشكيلات المعارضة و32 سيارة أخرى في ثاني أسبوع قتال ضد الكتائب الإسلامية التي تقاتله[3]. وتتناقل صفحات النت أخبار 4 محاولات فاشلة لإغتيال الجولاني الذي إضطر اليوم لإتباع إجراءات أمنية مشددة لم يكن مضطر لإتباعها أثناء قتاله القوات الأمريكية في العراق فيما مضى.  يذكر أن داعش تم تأسيسها في أبريل ٢٠١٣ ويقدر عدد المقاتلين فيها ما بين ٣ آلاف إلى ٧ آلاف مقاتل.
Daaisch1

ولكن من هو أبو خالد السوري الذي قتله تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام في ٢٣ شباط ٢٠١٤؟

أبو خالد السوري، أو  أبو عمير الشامي هي الأسماء الحركية لـ "محمد بهايا" من مواليد حلب الذي  قضى ما يقارب اربعين سنة من عمره متنقلا في ساحات الجهاد بدءها في سورياوختمها فيها  مرورا بأفغانستان والبوسنة والشيشان والعراق. كانت البدايةمع الطليعة المقاتلة في سوريا في ثمانينيات القرن الماضي, ثم أنتقل بعد ذلك إلى  إلى أفغانستان حيث أصبح مقربا من الشيخ عبد الله عزام، ثم لازمزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن في بيشاور، لينتقل بعهدها إلى صفوف القتال في الشيشان ليقاتل إلى جانب القائد خطاب. ثم أصبح بعد ذلك أحد أهم  مساعدين أبو مصعب الزرقاوي في العراق ومن بعده أبو عمرالبغدادي الذي تسلم قيادة تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين. ينقل عنه أنه لم ينضم تنظيميا للقاعدة ولم يبايع التنظيم, دون أن يتعارض ذلك مع مشاركته في عمليات القاعدة وحروبها في أفغانستان والعراق. وبعد قيام الثورة السورية، انضم أبو خالد السوري إلى حركة أحرار الشام الإسلامية وذلك بعد إفراج السلطات السورية عنه في ١٧ ديسمبر عام 2011. حيث كان معتقل لديها قبل ذلك لدى عودته من العراق إلى سوريا.[4]

وكان زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري قد إبتعثه كي يكون مندوبه في التحكيم في النزاعات التي نشأت بين تنظيمي داعش والنصرة. ولما أستقر حكم أبو خالد السوري على وجوب خروج مجموعات داعش من سوريا أو انضمامها للنصرة،رفض البغدادي الحكم مما أدى إلى نشوب حرب تصفية بين الفصائل الإسلامية من جهة وبين داعش من جهة أخرى.

يعد أبو خالد السوري أحد أشهر قادة تنظيمات الجهاد العالمية, حيث بدأ قبل سنوات مع غيره من السوريين كأبو بصير الطرطوسي وأبو مصعب السوري بمراجعات فقهية وفكرية للمنظمة وسلوكياتها. كان من نتائج مراجعاتهم إدانة التكفير السياسي والمناداة بالتعقل والتأمل قبل اللجوء للعنف, كما أن ثلاثتهم أعلنوا رفضهم للأعمال التفجيرية التي تؤدي لمقتل المدنيين. في 14 يناير 2014 أصدر أبو خالد السوري بيان صوتي على اليوتيوب أدان فيه الغلو والتطرف وقام بالتأكيد على مفهوم التدرج والمراحل, والتشاركية مع أهل الحل والعقد المحليين في عملية الحكم وإتخاذ القرار. كما دعا في آخر خطابه أيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة إلى التبرأ من داعش ومن أفعالهم وقال حرفيا : "إن مفاهيم وأساليب الجهاد اليوم في العالم بحاجة إلى الإصلاح". [5]

للأسباب المذكورة أعلاه يعد أبو خالد السوري من وجهة نظر أفراد المنظمات الجهادية مجدد فكري إصلاحي يسعى لدفع منظمة القاعدة إلى إعتماد منهجا فكريا أكثر إعتدالا وسلوكيات أقل عنفا وغلوا,  مما أدى بالضرورة إلى خلق شرخ في قاعدة أتباع هذها الفكر  وكان إنقسام النصرة عن  تنظيم العراق والشام أحد نتائجها.

يضم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام اليوم مقاتلون عرب وأجانب، ممن رفضوا فتاوى مشايخ التجديد لديهم والداعية إلى "التأمل في القتل قبل الإقدام عليه", كما ينظرون إلى أبو خالد السوري وأمثاله كخارجين عن الصف أو مفرطين. النتيجة كانت ثلاثة إنتحاريين دخلوا مقر أبو خالد السوري في حلب وقاموا بتفجير أنفسهم مما أدى إلى مقتله مع ستة من رفاقه. في ٢٢ آذار ٢٠١٤  أصدرت منظمة القاعدة بيانا تتبرأ فيه من تنظيم دولة العراق والشام. ممافسره المراقبون بإنه نذير حرب عنيفة بين هذا التنظيم وباق التشكيلات الإسلامية.[6] ثم جاء التسجيل الصوتي الأخير للظواهري في ٤ نيسان ٢٠١٤ بعنوان " رثاء شهيد الفتنة الشيخ أبو خالد السوري" كي يعزز هذه التوقعات, حيث أنه دعا به بشكل غير مباشر لمقاطعة تنظيم دولة العراق والشام وعدم دعمهم, وقارن الأحداث في سوريا مع تلك التي وقعت في الجزائر, ثم ختم بقصيدة يرثو بها أبو خالد. إلا أن رد تنظيم الدولة عليه لم يتأخر حيث أصدر أحد قادتهم "أبو إبراهيم الموصللي" بيانا صوتيا على موقع المنبر الإعلامي الجهادي متهما الظواهري بالمروق والخيانة وفقدان الشرعية. كما أنه هاجم الجولاني أمير النصرة في نفس البيان.[7]

بكل تأكيد لا تزال القاعدة منظمة جهادية تعتمد في سلوكياتها على تصورات وأفهام غير رحبة للدين الإسلامي وتبني حساباتها على فهم مجتزء لطبيعة معركة الأمم في العصر الحديث ,ولكن من المؤكد أيضا أن القاعدة اليوم هي ليست نفسها التي قامت بتفجيرات 11 سبتمبر 2001. فالتنظيمات كالأفراد تخضع دائما للتطور والتغيير. حيث أنه بعد 11 سبتمبر ضعفت السيطرة المركزية للقاعدة على فروعها المختلف نتيجة ظهور جيل جديد من القيادات. فالقاعدة اليوم تحولت إلى رسالة أكثر منها تنظيم وبالتالي العلاقة السابقة التي كان فيها نوع من الإحترام الأبوي نتيجة الشخصية الكاريزمية لأسامة ابن لادن والتي ربما لا يحظى بها الظواهري. هذه التحولات انعكست اليوم على هذا الخلاف العلني الواضح غير المسبوق داخل القاعدة.[8]

كما أن التنظيمات المستندة لإيديولجيا فكرية معينة -حتى لو كانت متطرفة- لا يمكن مكافحتها عسكريا كما تتم مكافحة عصابات الجريمة أو عصابات تجارة المخدرات, حيث أن الفكر الذي تستند له سيبقى دائما قادرا على رفدها بالموارد والأفراد. ربما يمكننا القول أن أحد الدروس المستفادة من مقتل أبو خالد السوري, أن التفنيد الفكري للفكر المتطرف, وكذلك محاولات مكافحة فكر التطرف بين أتباعه قد يعرض المنظمات المتطرفة إلى أخطار أكبر من تلك التي تحملها الحروب العسكرية والطائرات بدون طيار. كما أنه الأسلوب الناجع لمعالجة أحد جذور المشكلة بدل مكافحة آثارها.

فالتجربة أظهرت أن تيار السلفية الجهادية العالمية رغم أنه وجد في الحالة السورية إمكانيات التوسع والممارسة, إلا أنه يعيش اليوم أيضا في أزمة بنيوية نتيجة ظهور إحتقاناته وخلافاته الداخلية الأكثر جذرية ودموية.[9] حيث أن حالة الطهورية الناجمة عن الإستعلاء والتمييز بين من يسمونهم بالعوام ويقصد بها عموم الناس وأصحاب المنهج من أتباع المدرسة السلفية الجهادية قد ضاقت جدا حتى صار هذا التمييز بين أصحاب البارحة الذين أصبحوا أعداء اليوم.


تم نشره في ٢٠ أبريل من عام ٢٠١٤ على موقع زمان الوصل تحت الرابط التالي

 

المراجع: 

[1]https://www.youtube.com/watch?v=ShZjehWvUTg

[2]https://www.youtube.com/watch?feature=player_embedded&v=g8lQpI3h7fs

[3]https://www.youtube.com/watch?v=Upaj2Krtg6g

[4]http://www.all4syria.info/Archive/132991

[5]https://www.youtube.com/watch?v=zdqkb4iHHc0

[6]https://www.zamanalwsl.net/news/46200.html

[7]  http://www.alquds.co.uk/?p=154321http://alplatformmedia.com/vb/

[8] لقاء مع الدكتور أبو الرمان على الجزيرة

[9] بعض المعلومات من المقال تحت الرابط:
https://www.zamanalwsl.net/news/47016.html