السـيـادة على سوريا

السلطة والتحكم في عهد الاسد

 
فيما يلي عرض لكتاب "السيادة على سوريا" للمؤلف دانييل غيرلاخ. تم نشره على موقع العربي الجديد.
 

"رغم خروج معظم الاراضي السورية من تحت سيطرته ورغم استناده إلى مجموعات دينية وشرائح اجتماعية لا تمثل إلا نسبة محدودة من عامة الشعب فإن النظام السوري لا يزال قادرا على الاستمرار في السلطة. ماهو سر استمراره؟ وماطبيعة القوى التي يستند إليها؟ وماهي سرديته التي اكسبته التماسك خلال أربعة سنوات من الحرب المستمرة التي يخوضها ضد الغالبية من الشعب السوري؟"

بهذه الاسئلة يبدأ الصحفي والمستشرق ومدير مجلة زينيث الالمانية المتخصصة بشؤون الشرق الاوسط، دانييل غيرلاخ كتابه الجديد "السيادة على سوريا، السلطة والتحكم في عهد الاسد" الذي يسعى من خلاله لشرح الواقع السوري وكيف وصل إلى حاله اليوم بصياغة سهلة وباسلوب مشوق يجمع ما بين السرد الصحفي والتحقيق العلمي. ثم يسعى بعد ذلك لتحليل البنى السلطوية التي يستند إليها نظام الاسد في حكمه محاولا الوصول إلى نظرية قادرة على تفسير سر قدرة النظام على التماسك خلال السنوات الماضية، رغم تعرضه لهزائم عديدة دفعت الكثيرين للتنبؤ بانفراط عقده وسقوطه القريب ما لم يحدث حتى اليوم.

 

 

 

 يقع الكتاب في ٣٩٢ صفحة من القطع المتوسط موزعين على أربعة عشرة فصلا، حيث كانت طبعته الاولى قد صدرت في نهاية آذار ٢٠١٥ باللغة الالمانية عن مؤسسة كوربر الالمانية.

يشرح دانييل في الفصل الاول بشيء من التفصيل الاحداث التي بدأت مع كتابات أطفال درعا على الحائط وكيف تتطورت إلى ثورة شاملة خلال الاشهر التالية. المميز في هذا الفصل هو عودة دانييل إلى مصادر من داخل النظام تحفظ على ذكر هويتها زودته ببعض التفاصيل التي ألقت الضوء على الاسلوب والعقلية التي أدار بها النظام أزمته خلال الاشهر الاولى. فقد أكد من خلال إيراد كم كبير من الشهادات والاحداث الموثقة بأن جميع محاولات تسوية الازمة في درعا لم تكن سوى تمثيلية للتسويق الداخلي والخارجي. أما الغاية الحقيقة للنظام فكانت تهدف إلى بث الرعب بين المدنيين والاهالي لتأديبهم ولثنيهم عن مجرد التفكير بأي محاولة للتمرد. ثم يؤكد هنا أمرين: الاول أن بذور الثورة اليوم وضعت في الثمانينات، والامر الثاني: أن طريقة تعامل النظام مع التمرد تمت بلورتها أيضا في الثمانينيات.

يسعى في الفصول التالية "روح تدمر" و "العودة إلى حماة" لشرح سياسة حافظ الاسد في التعامل مع التمرد الذي قاده الاخوان المسلمين في حماة في بداية الثمانينات. حيث يعتقد الكاتب أن سردية نظام الاسد في ذلك الحين تزعم أنه يخوض حرب ضد متطرفين تكفيريين يجب استئصالهم. إلا أن حافظ الاسد لم يخض تلك الحرب مع المتمردين فحسب، بل كانت حربه ضد أهل حماة أنفسهم. يقول الكاتب بأن النظام منذ الثمانينات قام بتعريف المكون السني في سوريا كعدو أو على الاقل كمصدر للخطر الكامن، وحدد استراتيجيته لمحاربة أي بوادر تمرد تظهر في هذا المكون بشيطنة المتمردين من خلال توصيفهم كجهاديين ومتطرفين والرد عليهم بسياسات الاستئصال.

العامل الطائفي لعب دور هاما في أحداث الثمانينات وفي طريقة التعاطي الحكومي معها. ولعب دورا هاما فيما بعد في تثبيت حكم الاسد خلال الأعوام الثلاثين التالية. فالنظام السوري يعيش على الفتن والخلافات الناشبة بين الشرائح الاجتماعية في كل بقعة من سوريا. بين السنة والعلويين في حماة وحمص. بين الاكراد والعرب في الجزيرة. بين البدو والعرب في البادية الشرقية، بين السنة والدروز في المنطقة الجنوبية، وهلم جرا. حيث يشرح دانييل بأنه حتى اليوم لم يتم التعامل مع ماحصل في الثمانينيات بشفافية ولم يتم السعي لحل هذ الملف الذي لازال ينزف حتى عام ٢٠١١. فالاسد الاب -حسب الكاتب- كان يخشى من أي تسوية لجراح تلك المرحلة، فقد يؤدي ذلك إلى وصول الطوائف والفرق إلى تفاهم وتعايش أفضل مع بعضها، مما سيؤدي إلى إزالة الريبة والشكوك المتبادلة بين العلويين والسنة. وبالتالي هذا سيحول دون تمكين نظام الاسد من الاستفادة من التناقضات والخوف والشك المتبادل بين هاتين الطائفتين. لذلك يعتقد دانييل بأنه يمكن النظر على أحداث اليوم على أنها استمرار لمسلسل من العنف بدأ في نهاية السبعينات ووصل لذروته الاولى في عام ١٩٨٢ واستمر إلى اليوم لانه لم يصل إلى حلقاته الاخيرة في ما مضى.

في فصل "سر العلويين" يورد دانييل قصة زيارته لاحد مرجعيات الشيعة في النجف في العراق السيد "بشير النجفي" وعن سؤاله له عن العلويين وفيما إذا كانوا شيعة أم لا، يقول دانييل بإن السيد بشير تهرب من الاجابة بقوله: "العلويون يمارسون دين سري. وإذا كان دينهم سري فكيف استطيع الحكم عليهم إذا كانوا شيعة أم لا؟" ولكنه يكمل بأن العديد من المرجعيات الاخرى أوضحت له أن الشيعة يعتقدون بأن العلويون غلاة. ثم يتابع دانييل بأن النظام السوري بنى قوته على فقر وجهل العلويين. فكانت مصلحة النظام من وجهة نظر الاسد تقتضي الحفاظ على الحالة المبهمة في تعريف العلويين وغياب تحديد هويتهم. الامر الذي أتاح للأسدين التلاعب فيهم والعمل باسمهم بشكل أكثر حرية واستخدامهم في تثبيت أركان حكمهم. لذلك يعتقد الكاتب بأنه لا يمكن القول أن العلويون يحكمون سوريا. بل هم أحد ضحايا نظام الاسد.

وفي فصل "معضلة الدروز" يتسائل دانييل هل الاسد فعلا هو الضمانة الوحيدة لسلامة الأقليات؟

ثم يجيب بأن أكثر من نصف مليون مسيحي سوري هاجروا سوريا منذ تسلم الاسد للحكم. وأن العديد من طلاب اللجوء السياسي والانساني في ألمانيا قبل الثورة كانوا من الاقليات المسيحية والكردية والدرزية. نعم هناك أناسا كانوا مضطرين لكتم هوياتهم وممارساتهم الدينية مما ولد لديهم أحقاد على الاخرين. لكن النظام الاسدي من خلال الضغط والاستبداد هو سبب المشكلة ولا يمكن أن يكون هو الحل أو الضمانة.

يتحدث في فصل "عدو عدوي: الخليفة" عن تنظيم داعش ويوضح أن النظام عمل بشكل منهجي على تحقيق نبوءته بأن يحارب التكفيريين والجهاديين منذ انسحابه من الرقة واخراجه الجهاديين من سجن صيدنايا وصولا لاستهدافه قوات الثوار في معاركهم مع داعش. ثم يصل إلى نتيجة مفادها أن النظام وداعش يحتاجون بعضهم بعضا وعلاقتهم أشبه بالعلاقة الحيوية، فزوال أحدهم يؤدي إلى زوال الآخر. ويتابع دانييل "للأسف الحوارات مع المسؤولين في العالم الغربي تؤكد بأن العالم بدأ يقتنع برواية الاسد مما يثبت صحة نظريته وممارسته: اصنع الارهاب ثم سوق نفسك على أنك خير من يحاربه"

يقول دانييل بأن التصريحات التي يتم اطلاقها بأن الاسد ليس جزء من الحل ليست مهمة. ولكن المهم هو ما يدور في الغرف المغلقة. ولكن يعتقد دانييل أن الحديث مع الاسد لا معنى له في جميع الاحوال. ثم يشرح أسباب قناعته هذه في الفصلين الاخيرين من الكتاب.

يقول دانييل في فصل "كذب وصلوات" بإن العالم يعتقد أن النظام السوري هو دولة تضم مؤسسات والاسد هو الرأس التنفيذي لهذه الدولة. والبعض يذهب بعيدا ويقول بأن الاسد اعيد انتخابه وهو رئيس شرعي لدولة قائمة. ولكن هذه الصورة مضللة حسب الكاتب. فسوريا لها هيكل دولة خارجي يضم وزراء وإدارات ومؤسسات ولكنهم كلهم لا يحكمون سوريا. بعض الشخصيات التي كانت تحتل مناصب بارزة في هذا الهيكل الخارجي مثل رئيس مجلس الوزراء رياض حجاب والناطق باسم الحكومة جهاد المقدسي وغيرهم من الوزراء غادروا النظام، إلا أنه لم يتأثر أبدا بذهابهم. وبالتالي فإن النظام لا يستند عليهم ويمتلك القدرة على استبدالهم. الامر الذي دفع دانييل وفريقه البحثي للبحث عن الاشخاص الذين لا يمكن الاستغناء عنهم في النظام السوري والذين يحملون صلاحيات اتخاذ القرار، ليصل بعد ذلك إلى نتيجة مفادها أن النظام السوري له عدة أشكال للتمظهر:

الشكل الاول هو الحكومة ومؤسساتها. ولكن هذا الشكل ليس هو الذي يحكم سوريا. وجميع المعطيات والوقائع تؤكد ذلك. الشكل الثاني للنظام السوري والذي أطلق عليه اسم التمظهر على شكل مؤسسة جريمة منظمة والمتجسدة في أجهزة المخابرات وإدارتها بقيادة الحلقة الضيقة لعائلة الاسد. وهي البنية الحقيقة التي تحكم الدولة. أما الشكل الثالث لتمظهر النظام هو الشكل العسكري، أي كمؤسسة عسكرية.

يقول دانييل في أي أزمة أو في أي حدث يحصل في سوريا تتداخل هذه المكونات الثلاثة في صناعة الحدث. فصاحب القرار الحقيقي هو المؤسسة الاجرامية، في حين تقوم المؤسسة الحكومية بتغطية الجانب البيروقراطي الرسمي. أما المؤسسة العسكرية فيتم استخدامها في الازمات.

ثم يمضي دانييل في الفصل الاخير من كتابه "التشبيح : أو ماهو النظام السوري؟" لشرح معنى كلمة "الشبيحة" وكيف نشأ هذا المصطلح وما هي الافعال والمعاني التي ارتبطت به كي يصبح اليوم مدعاة فخر لبعض فئات الشعب السوري. ويخلص دانييل إلى أنه إذا كان تعريف التشبيح هو التصرف على طريقة العصابات الاجرامية التي تبتز ضحاياها وتبتز العصابات الاجرامية الاخرى بوسائل تتنوع من الترهيب والتهديد وصولا للتصفية الجسدية بأبشع الطرق، فإن النظام السوري في جوهره ليس إلا مؤسسة تشبيح منظمة، إلا أنها حاصلة على الاعتراف الدولي بها. والمجتمع الدولي تعايش طوال العقود الماضية مع أفعالها التشبيحية. يضيف دانييل أن هذا التوصيف يصلح أيضا لمعظم حلفاء النظام مثل حزب الله. ويؤكد على ضرورة توصيف الأفعال باسمها الحقيقي من أجل التمكن من التعامل معها بالطريقة المناسبة. فالاصرار على أن الاسد رئيس شرعي أو غير شرعي يدير دولة ذات مؤسسات نخشى عليها من السقوط هو ايغال في الاوهام، كما أنه يقود المسؤولين الدوليين إلى نتائج وقرارت خاطئة.  

هناك العديد من الكتب التي أغنت المكتبة الالمانية حول سوريا خلال السنوات الاربعة الماضية، إلا أن ما يميز كتاب دانييل غيرلاخ هو غناه بالقصص والاسماء والاحداث الموثقة التي حصل عليها من مصادر مختلفة جدا. فقد تمكن الكاتب من تكوين صورة متكاملة نسبيا وغنية عن طبيعة نظام الاسد في سوريا والطريقة التي حكم فيها البلاد خلال العقود الماضية بشكل مبسط وجريء، دون إخلال بعمق الافكار رغم تعقيد وتشابك الموضوع.

ما يمكن أخذه على الكتاب هو محاكمة الازمات في سوريا من خلال المنظار الغربي المتمثل في التعامل مع المجتمعات المختلطة كمجموعة من طوائف واثنيات متنافسة. حيث يسعى هذا المنهج إلى تقسيم سلطة الدولة وغنائمها بين هذه المكونات بنفس الاسلوب الذي حدث في أوروبا فيما مضى، الامر الذي قد يقود المنطقة إلى التقسيم العرقي والطائفي. إلا أن المنطقة العربية لم تتطور بدائل لحل هذه الازمات المتراكمة، ولا يبدو أن الطريقة الاوروبية قادرة أيضا على العبور بنا إلى بر الامان. وفي جميع الاحول يبقى كتاب دانييل محاولة مميزة لتوصيف الواقع السوري وتحليله.


 تم نشره على موقع العربي الجديد في ١٦ حزيران ٢٠١٥ تحت الرابط التالي: اضغط هنا