تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم
 

الثورة السورية على أعتاب عامها الرابع

أين تقف الأزمة السورية اليوم وإلى أين تتجه

تدخل الثورة السورية هذه الأيام عامها الرابع, في الوقت الذي لا تزال فيه الأوضاع الميدانية والعسكرية تشهد حالة إستعصاء منذ أكثر من عام كنتيجة لتوازن نسبي للقوى على جبهات القتال بين النظام والمعارضة ناجم عن تفاهمات دولية غير مباشرة أنتجتها ديناميكيات النظام السياسي الدولي الحالي. مما ساهم بدوره في زيادة حدة الأزمة الإنسانية وتحويلها إلى إحدى أكبر كوارث العصر الحديث بعد أن بلغ عدد المهجرين والمشردين حوالي نصف سكان سوريا. بينما شهد الملف السياسي حراكا نشيطا إحتل الصفحات الأولى على أجهزة الإعلام العالمية في الأسابيع الماضية, يدفعه السعي الدولي لإيجاد تفاهم سياسي يعمل على إنهاء حالة الصراع العسكري عبر نقلها إلى مربع  الأزمة السياسية القابلة للحل عن طريق التفاوض. في هذه الأثناء شهدت المعارضة السورية إنقسامات حادة على خلفية الموقف من المشاركة في مؤتمر جينيف, بينما يعمل النظام السوري وحلفاءه بمنهجية على إستعادة المبادرة والسعي لمعاظمة عوامل القوة قبيل الوصول إلى صيغة تفاهم سياسي تعكس الوقائع الميدانية على أرض الواقع.

تسعى السطور التالية لتقديم عجالة موجزة تعمل على توصيف وتحليل الحالة الراهنة التي وصلت لها القضية السورية بعد إتمامها عامها الثالث منذ إنطلاق الثورة, بما يساعد القارئ على إعادة تركيب الصورة الأشمل لما يجري في سوريا بهدف الوصول لفهم أفضل لكامل المشهد وإستشراف آفاقه المستقبلية.

- على الصعيد العسكري والميداني

- على صعيد السياسة الدولية

- على صعيد المعارضة السورية في الخارج

- على صعيد النظام

- الأزمة السورية إلى أين؟

على الصعيد العسكري والميداني

تشهد العديد من خطوط الجبهات العسكرية حالة من الجمود نتيجة تفاهمات دولية غير مباشرة تعمل على إدارة الأزمة بما لا يسمح لها بالإنتشار خارج الحدود السورية, أو بحسمها لصالح أحد الأطراف عسكريا, بما أدى إلى تثبيت الواقع الميداني والحفاظ عليه. يمكن إرجاع ذلك بشكل أساسي للمصالح الدولية المتحكمة في حدود تحركات أغلب الفصائل المسلحة التي تقاتل النظام, حيث ترتبط هذه الفصائل من خلال شبكة من العلاقات المتعددة المستويات مع الدول الداعمة والمؤثرة, والتي ستسعى بدورها إلى تحقيق مصالحها ورؤيتها عبر التحكم بخطوط الدعم العسكري والسياسي ومستوياته. فعلى سبيل المثال وليس الحصر لايزال وادي الضيف محاصر منذ أكثر من عام ونصف, وكذلك مطارات حلب الدولي والنيرب وكويرس ومطار دير الزور, ولا تزال جبهة الساحل تحت السيطرة ولا تزال ساحة العباسيين وحي جوبر في دمشق هما الخط الفاصل بين جبهة النظام وكتائب المعارضة.

رغم إختلاف مصالح هذه الدول وإختلاف مقارباتها للتعاطي مع الأزمة السورية, إلا أن هذه الدول في المجمل إستطاعت من خلال السياسة الأميركية معتمدة نموذج القيادة من الخلف أن تحرز نجاحا واضحا في القدرة على السيطرة على حدود الأزمة السورية والتحكم في مدى إنتشار آثارها إقليميا, وكذلك التحكم في خطوط الجبهات بما ينسجم مع رؤيا هذه الدول في التعامل مع الحالة السورية. تصريح مسؤول الملف السوري السابق في واشنطن فريدريك هوف لا يخرج عن هذا السياق: "إن دعم واشنطن للمعارضة السورية يرمي إلى الحفاظ على استمرارها وليس انتصارها " حيث أن الولايات المتحدة تسعى لإدارة الأزمة بما يسمح لها بإنضاج أجواء وحلول مناسبة تحفظ لها مصالحها في سياق رؤيتها للملف السوري في إطاره الإقليمي والعالمي الأوسع.

لا بد من الإشارة أيضا إلى ظهور تنظيم دولة العراق والشام وممارساته المتطرفة التي أساءت إلى صورة الثورة السورية عالميا بشكل كبير بما ساهم في جعل ملف محاربة الإرهاب أولوية دولية تتفق عليها أغلب الدول الداعمة والمعادية للنظام وتقدمها على ما عداها من ملفات أخرى, بما ساهم بدوره في إطالة عمر النظام القبول بمحاولات إعادة تأهيله كشريك في السعي لمواجهة ومحاربة الإرهاب.

أدت المعارك مع هذا التنظيم في الشهور الأخيرة إلى دحره نسبيا في دير الزور وحلب وإدلب, إلا أنه أستطاع السيطرة على محافظة الرقة بشكل شبه كامل. كما أن النظام السوري إستفاد من أجواء الإقتتال بشكل ملحوظ حيث إستطاع إحراز تقدما على عدة محاور في حلب والرقة.

على صعيد السياسة الدولية

في ضوء الواقع الدولي والميداني الذي تقدم, تمت التحضيرات لمؤتمر جينيف ٢ الذي هو في الأساس  ثمرة أفكار وخطة عمل روسية تسعى لجمع المعارضة مع النظام على طاولة واحدة بهدف التفاوض للوصول لحل سياسي يؤدي في نهاية المطاف لتحويل الصراع العسكري إلى أزمة سياسية على اعتبار أنها نزاع بين طرفين يمكن تسويته بالتفاوض. حيث أن إنكفاء الدبلوماسية الأمريكية في الحالة السورية وتضاءل نفوذها نتيجة إنسحاباتها من المنطقة أعطى روسيا فاعلية وقدرة أكبر لإستلام زمام المبادرة في صياغة الحلول والمخارج السياسية على المستوى الدولي.

لاقت الفكرة قبولا غربياً حيث أن روسيا والغرب لا يرغبون بانهيار الدولة المركزية في سوريا بالشكل الذي يترك فراغا في سلطة ويخلق البيئة المناسبة لنمو وانتشار الكيانات العسكرية الموازية بقوتها وسلطتها للدولة. فالدولة المركزية القوية من خلال تماسك قوات الجيش والأمن وفق هذه الرؤيا هي من يمكن الإعتماد عليه في حماية مصالحهم وكذلك هي من سيتولى مهمة محاربة ونزع سلاح الكيانات والتنظيمات الخارجة عن قواعد اللعبة في نهاية المطاف.

وبالتالي يمكن ملاحظة نوع من التفاهم بين الأطراف المتحالفة وكذلك المعادية للنظام على ضرورة المحافظة على بنية الدولة, التي تتماهى بدورها مع بنية النظام السوري, وذلك من أجل تجنب الفوضى الناجمة عن فراغ السلطة في حال سقوط الأخير المفاجئ, الأمر الذي سيضع المجتمع الدولي أمام تحديات جسيمة لا يرغب بتحمل أعبائها[1].  كما أن سقوط النظام عسكريا قد يؤدي إلى تغيير خارطة المنطقة ورسم حدود جديدة لدولها تكون أكثر إنسجاما مع التوزع الإثني والطائفي لسكان المنطقة, مما سيؤدي إلى تغييرات جذرية في كامل المنظومة السياسية في المنطقة ويفتح الباب على إحتمالات عديدة لا يمكن التكهن بمآلاتها, وهذا مالا ترغب الدول الكبرى برؤيته.

اجتماعات ومفاوضات جينيف لا يمكن لها أن تقدم أكثر من صيغة سياسية تعكس الواقع الميداني والعسكري على أرض الواقع. لذلك فإنه من المستبعد أن تحقق إنجاز حقيقي يعمل على إسقاط النظام الذي لم يسقط عسكريا, أو إنهاء الثورة وضبط المعارضة المسلحة التي لم يستطع النظام القضاء عليها خلال ثلاث سنوات.

في جميع الأحوال فإنه يمكن رصد العديد من المؤشرات التي تشير إلى أن القوى والدول الفاعلة والمؤثرة في الأزمة السورية باتت اليوم أقرب إلى تفاهم يضمن لها تقاسم النفوذ والمصالح. فبقاء بنية النظام هو مصلحة مشتركة بينها, على الأقل من أجل إغلاق ملف الربيع العربي وكبح نموذجه الثوري.  كما أن إخراج بشار الأسد من المشهد بهدف الإنتقال إلى مرحلة جديدة, أصبح اليوم أمرا غير مستبعد من طرف حلفاء النظام. فبالنسبة لإيران فلا بد لها من القبول بالنفوذ الأمريكي في المنطقة وإحترام أمن إسرائيل, مقابل إخراجها من عزلتها السياسية والإقتصادية وإحترام مصالحها في المنطقة بشكل أفضل. أما تركيا فعليها أن تخفض سقف طموحاتها الإقليمية وتعمل على مراعاة مصالح روسيا في تجارة النفط والغاز وخطوط إمدادهم. وسيتوجب على الناتو عموما القبول بسياسات تمدد النفوذ التي تنتهجها روسيا في آسيا ومراعاة مصالحها الرئيسية في سوريا كالديون وميناء طرطوس وعقود التنقيب عن النفط في البحر. في حين ستسعى الولايات المتحدة لإرضاء دول الخليج والسعودية مقابل أن يكون لهم تأثير نسبي في سوريا الجديدة.  يبقى الشكل التنفيذي الأنسب وطريقة الإخراج لتحقيق هذه المصالح هو محط التفاوض والتباحث بين هذه الدول.

على صعيد المعارضة السورية في الخارج

منذ أواسط عام ٢٠١٢ بدأت المعارضة السورية في الخارج ممثلة في الإئتلاف وقبله المجلس الوطني تفقد أغلب عوامل قوتها، بما فيهم قطاعات مهمة من جمهورها في الداخل الذي لم يعد يرى فيها الكفاءة والأهلية الكافية لتمثيل الثورة والمعارضة. فالائتلاف كمؤسسة يعاني من صعوبات داخلية بنيوية ناجمة عن سوء تصميمه الإداري وفقدانه لآليات العمل المنتجة ,مما جعل منه كيان معطل غير قادر على إنتاج السياسات والمبادرات السياسية. مما أدى في المجمل إلى إنتقال صناعة المبادرات وصياغة الحلول السياسية للدول العظمى بالكامل, حيث تقلص دور المعارضة السورية الخارجية إلى دور الشاهد على صناعة الحدث التي هي أحد مواضيعه, دون إمتلاك القدرة الحقيقية على التأثير في مجراه داخليا أو خارجيا.

جاء قرار الإئتلاف القاضي بالمشاركة في جينيف على خلفية خلافات وإنقسامات حادة ومحزنة, إلا أن هذا القرار كان منسجما مع سياسات الإئتلاف السابقة والمرتكزة على التعويل الكامل على التدخل الخارجي, دون السعي الجدي لصناعة البدائل التي يمكن الإستناد عليها في أي عملية تفاوضية. كما أن قرار عدم الذهاب إلى جينيف ٢ لم يكن يحمل في طياته إلا سياسة المراوحة في المكان والإنتظار السلبي عسى أن تتغير المعطيات من خلال أحداث غير متوقعة أو صحوة ضمير فجائية لدى القوى العظمى. أضف إلى ذلك أن قرار الإئتلاف بالخروج على محددات الخطة الدولية (الأمريكية - الروسية) قد يدفع بالدول التي رعت عملية تشكيل الإئتلاف على أنقاض المجلس الوطني للعمل على تشكيل جسم مفاوض جديد على أنقاض الإئتلاف كي يعمل على إنجاز ما لم يحققه الأول.

على صعيد النظام

إستطاع النظام مراكمة العديد من عوامل القوة التي أحسن إستخدامها بنجاح مما أعطاه القدرة على الإستمرار حتى اليوم رغم خروج أغلب الأراضي السورية من تحت سيطرته المباشرة وخسائره البشرية والمادية الفادحة. ويمكن كذلك رصد إزدياد قدراته خلال الأشهر الأخيرة على إستعادة زمام المبادرة على الصعيد الداخلي وخاصة من خلال سياسة الهدنات والمصالحة التي نفذها بنجاح نسبيا في العديد من مدن الريف الدمشقي حتى الآن.  يمكن إجمال عوامل القوة هذه بما يلي:

فيما يتعلق في مؤتمر جينيف فإن النظام ورغم أداء وفده الهزيل والمخزي إلا أنه أستطاع تحقيق عدة إنجازات أهمها:  تعامل العالم معه على أنه الوفد الرسمي الممثل للجمهورية العربية السورية, وكذلك تحصيل صمت العالم على سياسته التي تقتضي تصعيد العنف والتدمير في الوقت الذي تستمر فيه المفاوضات.

الأزمة السورية إلى أين؟

فقد السوريون خلال السنتين الماضييتين أغلب مقدرات التأثير وصناعة الفعل والمبادرة مما أدى إلى تحول الأزمة السورية إلى صراع مشاريع إقليمية وعالمية على أرض سوريا وبدماء أبنائها. وبالتالي لا يمكن اليوم محاولة إستشراف أبعاد ومآلات الأزمة السورية دون قراءتها في سياق السياسات الدولية والإقليمية للدول الفاعلة, حيث لا يمتلك السوريون من قرار إيقاف الحرب أو إستمرارها إلا الجزء اليسير. وهذا ما تأكده معظم المؤشرات والأبحاث التي ترى أن رحى الحرب ستبقى مستمرة, طالما أن عجلة النزاع بين الأطراف الدولية والإقليمية مستمرة بالدوران. في الوقت الذي تملك روسيا فيه اليوم زمام المبادرة على الصعيد الدولي, بينما تعد إيران هي الفاعل الإقليمي الرئيسي في الصراع الدائر.

التدخل العسكري الخشن لصالح أي طرف سيعمل على إيقاف دوران هذه العجلة وبالتالي سيؤدي إلى تحويل شكل الصراع أو كبحه كما حصل قبل ذلك في البوسنة وكوسوفو.  إلا أنه و في غياب هذا التدخل الخشن والذي يبدو مستبعدا في الوقت الراهن  قد تستمر الحرب لسنوات طويلة قد تطول الحرب لسنوات أخرى, مالم يحدث تغيير جذري مفاجئ لدى أحد طرفي الصراع, وذلك ما يؤكده ماكس فيشير[2] في مقاله في أوكتوبر الماضي حيث إستند فيها للعديد من الأبحاث الناتجة عن مراكز أبحاث مختلفة.

في ظل هذه الظروف تبقى إرادة الشعب السوري في التغيير هي المحرك الأساسي والعامل الأهم في إستمرار معركة التغيير في سوريا. في حين لم  يبقى خيارات أمام القوى الفاعلة فيها سوى السعي لبلورة رؤيا متكاملة سياسيا وعسكريا من خلال صياغة برنامج عمل يعتمد على القدرات الذاتية ويسعى لإستقطاب أوسع طيف ممكن من الكفاءات والمكونات الفاعلة. هذا يتطلب بدوره السعي لبناء مؤسسات وطنية فاعلة قادرة على إنتاج السياسات وصناعة التوافقات والبناء على القواسم المشتركة. ويبدو أنه حتى ذلك حين فسيتوجب على السوريين أن يراكموا الخبرات ويخوضوا تجربتهم المؤلمة على الطريق الحرية والسعي نحو إنجاز التغيير.

 

 


[1] أنظر لتصريح وزير الخارجية الأمريكي جون كيري في ٢٤ كانون الثاني ٢٠١٣: “التنسيق مع روسيا هو أقل الشرور اليوم” موقع دي برس في نفس التاريخ

[2] أنظر الرابط التالي:
http://therepublicgs.net/2013/11/03/العلوم-السياسية-تقول-قد-تستمر-الحرب-ال/

 


 

تم نشره في ١٦ آذار ٢٠١٤ على موقع زمان الوصل تحت الرابط التالي: إضغط هنا